حسن ابراهيم حسن

428

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

بينها البربر الذين اعتمد عليهم المنصور في تحقيق سياسته حتى أصبحوا خطرا يهدد كيان الدولة « 1 » . وبعد وفاة الحاجب المنصور انفض هؤلاء البربر من حول أخيه عبد الرحمن وقتلوه وأزالوا دولة العامريين « 2 » ، وساعدوا أفراد البيت الأموي بعضهم على بعض . لذلك نرى البربر يلتفون حول محمد بن هشام ( بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ) الذي تلقب بالمهدى ويساعدونه في الحروب التي قامت بينه وبين هشام بن سليمان ( بن عبد الرحمن الناصر ) . ولما وجد محمد بن هشام حنق أهل قرطبة على البربر لمناصرتهم المنصور بن أبي عامر وأولادهم طردهم من جيشه وجردهم من سلاحهم « 3 » . وقد تخلى البربر عن المهدى وناصروا هشام بن سليمان ( شوال سنة 399 ه ) وحثوه على الخروج على طاعة المهدى ولكن أهل قرطبة فتكوا بهم فتكا ذريعا وقتلوا منهم خلقا كثيرا لذلك ساعد البربر سليمان ابن الحكم ولقبوه المستعين باللّه ، وساروا معه إلى قرطبة التي أصبحت مسرحا للفوضى والنهب والإحراق ، حتى دخلها سليمان سنة 400 ه ، وفر المهدى واستعان بالنصارى على طرد البربر والمستعين ، وتم لهم ما أرادوا ، وأدى ذلك إلى تفريق كلمة المسلمين وظهور ملوك الطوائف ، وقامت دولة بنى حمود بمساعدة البربر على ما تقدم . أما المسيحيون فكانوا فريقين : فريق بقي متمسكا بدينه القديم ، وفريق آخر عرف باسم المستعربين . وعلى الرغم من أنهم ظلوا على عقيدتهم الأولى أظهروا ميلهم إلى تعلم اللغة العربية فتكلموا بها ، وألفوا الكتب ، ونظموا الشعر ، وتخلقوا بأخلاق العرب وعاداتهم . وكان يحكمهم حاكم من بينهم يسمى الكونت ، يختاره الأمير أو الخليفة . ولهم ممثل يمثلهم في البلاط وآخر يقوم بجمع الخراج ، كما كان لهم قاض منهم ومحكمة استئنافية برياسة الكونت . وكثيرا ما كان هؤلاء المسيحيون يعينون في أرقى المناصب المدينة والحربية ويتمتعون بقسط وافر من التسامح الديني ، ويختلطون بإخوانهم في حرية تامة . وقد تمتع اليهود في هذا العصر بشئ كثير من التسامح الديني الذي لم يظفروا به تحت حكم القوط . ولا غرو فقد أسند إليهم كثير من مناصب الدولة ، وأصبح بعض الحرف ، وخاصة الطب ، مقصورا عليهم ، وغدوا عنصرا هاما في الإدارة والتجارة والثقافة وأصبحت قرطبة مركز الدراسات العبرية ، وأصبح كثير من اليهود يتحدثون اللغة العربية الصحيحة ويكتبون بها .

--> ( 1 ) ابن خلدون : العبر ج 4 ص 150 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 4 ص 149 - 150 ( 3 ) ابن الأثير ج 7 ص 84 .